أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
88
عجائب المقدور في نوائب تيمور
الرمل ، فلم يشعر به أحد ، واستبد توقتامش بالمملكة ، وصفا له دشت بركه ، وكان هذا متشوقا لأخبار أيدكو وأحواله ، متشوقا لمعرفة كيفية هلاكه في رماله ، ومرعلى ذلك نحو من نصف سنه ، وانقطع أثره عن الأعين وخبره عن الألسنه ، وأيدكو كان دعيميص « 1 » تلك الأعقاص « 2 » والأحقاف ، وممن قطع بسير أقدامه أديم تلك النعال والأخفاف ، فصار يتربص ويتبصر ، ويتفكر معنى ما قلته ويتدبر ، وهو شعر : أرقب الأمر وأنتظر فرجا * وانتهز وقتا إذا ما جا وأمزج الصبر بالحجى فبه * ورق التوت صار ديباجا فلما تيقن أن توقتاميش أيسه ، وتحقق أن ليث المنايا افترسه ، شرع يتجسس أخباره ويتتبع ، ويستشرف آثاره ويتطلع ، إلى أن تحقق من الخبر ، أنه في متنزه منفرد عن العسكر ، فامتطى جناح الخيل ، وارتدى جنوح الليل ، ووصل السير بالسرى ، واستبدل السهر بالكرى ، فارعا إلى الهضاب ، فروع الجبال ، مفرعا من الربى ، إفراع الندى ، حتى وصل إليه وهو لا يعلم ، وانقض عليه كالقضاء المبرم ، فلم يفق إلا والبلايا احتوشته ، وأسود المنايا انتوشته ، وثعابين الرماح وأفاعي السهام نهشته ، فحاولهم قليلا ، وجاولهم طويلا ، ثم انجدل قتيلا ، وكانت هذه المرة من الوقعات السادسة عشر خاتمة التلاق ، وحاكمة الفراق . فاستقر أمر الدشت على متولي أيدكو ، وصار القاصي والداني والكبير والصغير إلى مراسيمه يصفو ، وتفرقت أولاد توقتاميش في الآفاق ، جلال الدين ، وكريم بردي في الروس ، وكوباك وباقي إخوته في سغناق . واستمر أمر الناس على مراسيم أيدكو يولي السلطنة من شاء ، ويعزله منها إذا شاء ، ويأمر فلا يخالفه أحد ، ويحد فلا يجاوز ذلك الحد ، فمن
--> ( 1 ) - دعيميص : مصغر دعموص ، وهو نوع من الدود يعيش في الماء ( 2 ) - الأعقاص : جمع عقص ، وهو المساحة من الرمل التي لا طريق فيها .